![]() |
| الحوثيون.. من أين جاءت كل هذه القوة؟ أسرار الصعود العسكري والسياسي لجماعة تهدد بتغيير موازين الشرق الأوسط |
من جبال صعدة إلى صنعاء، ومن المواجهات المحلية إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تجاوز تأثيرها حدود اليمن، كيف تحولت جماعة الحوثيين إلى واحدة من أبرز القوى المسلحة في المنطقة؟ قراءة في جذور الصعود، والدعم الإيراني، وأخطاء الخصوم، وأهمية باب المندب، ومستقبل الصراع اليمني.
لم يكن صعود جماعة الحوثيين في اليمن مجرد تطور عسكري عابر، بل تحول إلى واحدة من أبرز الظواهر السياسية والاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين. فمن حركة محلية نشأت في شمال اليمن، استطاعت الجماعة، المعروفة رسميًا باسم «أنصار الله»، أن تفرض سيطرتها على العاصمة صنعاء، وأن تطور قدرات عسكرية مكنتها من تهديد أهداف بعيدة عن مناطق نفوذها، وأن تدخل في حسابات قوى إقليمية ودولية كبرى.
لكن السؤال الذي لا يزال يثير اهتمام المحللين وصناع القرار هو: من أين جاءت كل هذه القوة؟
كيف تمكنت جماعة تنشط في بلد يعاني من الفقر والانقسام وضعف مؤسسات الدولة من الصمود أمام حملة عسكرية قادتها السعودية، ومن تطوير قدرات في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومن التأثير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر؟
هل يعود ذلك إلى الدعم الإيراني، أم إلى الظروف الداخلية التي عاشها اليمن، أم إلى أخطاء خصوم الجماعة؟ وهل يمثل الحوثيون امتدادًا للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، أم أنهم قوة محلية تمتلك مشروعها الخاص وتستفيد من التحالفات الخارجية؟
الإجابة لا تكمن في عامل واحد. فصعود الحوثيين هو نتيجة تداخل طويل بين التاريخ والسياسة والحرب والجغرافيا، إلى جانب التحولات الإقليمية التي جعلت اليمن ساحة تتقاطع فيها مصالح أطراف متعددة.
- أولًا: من هم الحوثيون؟ جذور الحركة في شمال اليمن
تعود جذور الحركة الحوثية إلى محافظة صعدة والمناطق المحيطة بها في شمال اليمن، حيث ينتشر المذهب الزيدي، أحد المكونات التاريخية للمجتمع اليمني.
ظهرت الحركة في سياق نشاط ديني وثقافي وسياسي ارتبط بإحياء الهوية الزيدية، ثم تحولت تدريجيًا إلى حركة معارضة للسلطات الحكومية في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وبرز حسين بدر الدين الحوثي بوصفه أحد أهم مؤسسي الحركة ومرجعياتها الفكرية في مراحلها الأولى. ومع تصاعد الخلاف بين أنصاره والحكومة، اندلعت عام 2004 أولى جولات المواجهة المسلحة في صعدة، لتبدأ سلسلة من الحروب التي استمرت خلال السنوات التالية.
لم تكن تلك المواجهات مجرد اشتباكات محدودة، بل شكلت مرحلة تأسيسية في بناء الخبرة العسكرية والتنظيمية للحركة. فقد اكتسب مقاتلوها معرفة بالتضاريس الجبلية، وراكموا خبرة في مواجهة القوات الحكومية، وطوّروا شبكات محلية ساعدتهم على الاستمرار رغم الضغوط العسكرية.
وفي الوقت نفسه، ساهمت المواجهات في توسيع الهوة بين الحركة والسلطة المركزية، وأوجدت ظروفًا ساعدت الحوثيين على تقديم أنفسهم بوصفهم قوة معارضة للنظام القائم.
ومع مرور الوقت، تجاوزت الحركة نطاق النشاط الديني المحلي، وأصبحت تجمع بين الخطاب السياسي والتنظيم العسكري والتعبئة الاجتماعية.
لكن من المهم التمييز بين المذهب الزيدي بوصفه تقليدًا دينيًا تاريخيًا، وبين الحركة الحوثية بوصفها تنظيمًا سياسيًا وعسكريًا؛ فليس جميع أتباع المذهب الزيدي أعضاء في الحركة أو مؤيدين لسياساتها.
- ثانيًا: عام 2011.. كيف ساهم انهيار المرحلة الانتقالية في صعود الحوثيين؟
شكّلت الاحتجاجات الشعبية التي شهدها اليمن عام 2011 نقطة تحول في تاريخ الدولة الحديثة. فقد دخل النظام السياسي مرحلة انتقالية بعد تنحي علي عبد الله صالح وانتقال السلطة إلى عبد ربه منصور هادي عام 2012.
وكان من المفترض أن تفتح المرحلة الانتقالية الطريق أمام إصلاح المؤسسات السياسية والعسكرية، ووضع دستور جديد، ومعالجة الانقسامات التي تراكمت خلال سنوات الحكم السابقة.
غير أن العملية السياسية واجهت صعوبات كبيرة. فقد استمرت الخلافات بين القوى الحزبية والمناطقية، وتفاقمت المشكلات الاقتصادية، وظلت مؤسسات الدولة ضعيفة ومنقسمة، بينما لم تتمكن الحكومة من بناء توافق وطني مستقر.
وفي هذه الأجواء، استطاع الحوثيون توسيع نفوذهم خارج معقلهم التقليدي في صعدة.
كما استفادوا من حالة الاستياء الشعبي المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية، ومن الاحتجاجات التي اندلعت عام 2014 على خلفية رفع الدعم عن الوقود والمطالب المتعلقة بتغيير الحكومة.
لكن المطالب الاقتصادية لم تكن وحدها سبب التوسع الحوثي؛ فقد تداخلت مع خلافات سياسية حول شكل الدولة وتقاسم السلطة ومخرجات الحوار الوطني، فضلًا عن الحسابات العسكرية للقوى المختلفة.
وهكذا، وجدت الحركة نفسها أمام فرصة لتوسيع نفوذها في وقت كانت فيه الدولة عاجزة عن احتواء الصراع بين مكوناتها.
- ثالثًا: السيطرة على صنعاء.. نقطة التحول الكبرى
في سبتمبر 2014، دخل الحوثيون العاصمة صنعاء وسيطروا على مواقع رئيسية فيها، في تطور غيّر مسار الأزمة اليمنية.
لم يكن هذا التقدم نتيجة التفوق العسكري وحده، بل ارتبط أيضًا بانقسام المؤسسات العسكرية والأمنية، وضعف الحكومة، وتعاون الحوثيين مع قوى مرتبطة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح.
كان لتحالف الحوثيين وصالح أهمية خاصة؛ إذ جمع بين حركة مسلحة تمتلك قاعدة تنظيمية في الشمال، وشبكات نفوذ سياسية وعسكرية بقيت فاعلة بعد انتقال السلطة.
وساعد هذا التحالف الحوثيين على الاستفادة من خبرات وشبكات ومخزونات عسكرية كانت مرتبطة بمؤسسات الدولة، وهو ما عزز قدرتهم على التوسع بسرعة.
وفي يناير 2015، تصاعدت الأزمة مع سيطرة الحوثيين على مواقع حكومية رئيسية، بما فيها المجمع الرئاسي، ثم دخلت البلاد مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع على السلطة.
لكن التحالف بين الحوثيين وصالح لم يكن دائمًا. فقد تصاعدت الخلافات بين الطرفين، وانتهت بمقتل صالح في ديسمبر 2017 خلال مواجهات مع الحوثيين.
وتكشف هذه المرحلة أن الحركة لم تتقدم في فراغ؛ فقد استفادت من ضعف مؤسسات الدولة، ومن التحالفات المؤقتة، ومن الانقسامات داخل النخبة السياسية والعسكرية.
وبعبارة أخرى، كانت السيطرة على صنعاء نتيجة اجتماع القوة التنظيمية مع انهيار التوازنات التي كانت تحمي الدولة.
- رابعًا: إيران والحوثيون.. ما طبيعة العلاقة بين الطرفين؟
يمثل الدعم الإيراني أحد أبرز العوامل التي تفسر تطور القدرات العسكرية الحوثية، ولا سيما في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات التقنية والعسكرية.
وتشير تحليلات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن إيران أصبحت الداعم الخارجي الأهم للحوثيين، وأن العلاقة بين الطرفين تطورت مع مرور الوقت لتشمل أشكالًا مختلفة من المساعدة العسكرية والتدريب وتبادل الخبرات.
لكن فهم هذه العلاقة يتطلب الابتعاد عن التفسيرات المبسطة.
فالحركة الحوثية نشأت داخل المجتمع اليمني، ولها جذور سياسية واجتماعية محلية سبقت توسع علاقتها بطهران. لذلك، لا يصح تفسير ظهورها أو كل نجاحاتها العسكرية باعتبارها نتيجة تدخل إيراني مباشر.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أهمية الدعم الإيراني في تعزيز قدرتها على الوصول إلى أسلحة وتقنيات أكثر تطورًا مما قد تتمكن من توفيره بمواردها المحلية وحدها.
ويمنح هذا التعاون إيران فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي عبر شريك مسلح يتمتع بموقع استراتيجي قرب البحر الأحمر وباب المندب، في حين يستفيد الحوثيون من الدعم والخبرات التي تعزز قدرتهم على مواجهة خصوم يمتلكون موارد عسكرية أكبر.
وتشير تقارير بحثية إلى أن العلاقة تشمل نقل أسلحة ومكونات تقنية، إلى جانب أشكال من التدريب والمساعدة في تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
ومع ذلك، يظل مدى التأثير الإيراني المباشر في كل قرار حوثي موضع نقاش بين الباحثين. فبعض التحليلات تركز على اندماج الحركة في شبكة التحالفات الإيرانية، بينما يصفها آخرون بأنها شريك إقليمي يحتفظ بهامش من الاستقلال في حساباته المحلية.
والأرجح أن العلاقة تجمع بين الأمرين: مصالح استراتيجية مشتركة، ودعم عسكري مهم، وحسابات محلية لا تتطابق بالضرورة في جميع الملفات.
- خامسًا: لماذا لم يكن الدعم الإيراني وحده كافيًا لتفسير الصعود؟
لو كان الدعم الخارجي وحده كافيًا لصناعة قوة عسكرية مستقرة، لكان من السهل تفسير الصراعات الإقليمية كلها من خلال الجهات التي تقدم السلاح والتمويل.
لكن التجربة اليمنية تشير إلى أن الدعم الخارجي يصبح أكثر تأثيرًا عندما يستفيد منه تنظيم يمتلك قاعدة محلية، وقدرة على التعبئة، وخبرة في القتال، وخصومًا يعانون من الانقسام.
فقد استفاد الحوثيون من سنوات المواجهات في صعدة، ومن ضعف مؤسسات الدولة، ومن التحالف مع شبكات مرتبطة بالنظام السابق، ومن السيطرة على العاصمة ومناطق ذات أهمية استراتيجية.
كما أتاح لهم استمرار الحرب تطوير خبراتهم في استخدام الأسلحة، وبناء منظومة عسكرية وأمنية أكثر تنظيمًا، وتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بمناطق نفوذهم.
ولهذا، فإن تفسير قوتهم يتطلب الجمع بين العوامل الداخلية والخارجية بدلًا من الاكتفاء بأحدها.
فإيران ساعدت على تعزيز قدرات الجماعة، لكن الظروف اليمنية هي التي وفرت البيئة التي سمحت لهذه القدرات بالنمو والتحول إلى نفوذ سياسي وعسكري واسع.
- سادسًا: التدخل السعودي.. لماذا طال أمد الحرب؟
في مارس 2015، تدخل تحالف تقوده السعودية عسكريًا في اليمن دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا، بعد توسع الحوثيين وانهيار السلطة المركزية في العاصمة.
كان الهدف المعلن للتدخل وقف تقدم الجماعة وإعادة الحكومة إلى السلطة، لكن الحرب تحولت إلى نزاع طويل ومعقد، لم تنجح خلال سنواته الأولى العمليات الجوية في حسمه سياسيًا أو عسكريًا.
وتكشف هذه التجربة عن حدود القوة العسكرية عندما تُستخدم في مواجهة تنظيم مسلح يمتلك قاعدة محلية، ويستفيد من التضاريس، ويستطيع مواصلة القتال ضمن حرب غير متكافئة.
فالتفوق في الطائرات والقدرات المالية لا يضمن السيطرة الدائمة على الأراضي، خصوصًا في بلد واسع ومعقد جغرافيًا، تتعدد فيه مراكز النفوذ والولاءات المحلية.
كما أن تعدد الجبهات، وصعوبة التوصل إلى تسوية سياسية، وتباين أهداف القوى المشاركة في الحرب، كلها عوامل ساهمت في إطالة النزاع.
وفي المقابل، تعرض اليمن لدمار واسع وتدهور اقتصادي وإنساني، فيما ظل المدنيون يدفعون الثمن الأكبر لاستمرار القتال.
ولا تعني هذه النتيجة أن الحوثيين يمتلكون تفوقًا عسكريًا شاملًا على خصومهم، بل تعني أن إضعاف تنظيم مسلح لا يؤدي بالضرورة إلى انهياره، وأن الانتصار العسكري لا يساوي تلقائيًا بناء نظام سياسي مستقر.
- سابعًا: أخطاء الخصوم والانقسامات الداخلية.. ورقة استفاد منها الحوثيون
من العوامل الأساسية في صعود الحوثيين الانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم.
فالقوى التي واجهت الجماعة لم تكن كتلة موحدة ذات قيادة وأهداف سياسية متطابقة، بل ضمت أطرافًا تختلف بشأن مستقبل الدولة اليمنية، ومستقبل الجنوب، وتقاسم السلطة، والنفوذ المحلي.
كما ظهرت خلافات بين قوى سياسية وعسكرية مدعومة من أطراف إقليمية مختلفة، ما أضعف التنسيق في بعض المراحل وعرقل بناء استراتيجية موحدة.
وفي مثل هذه الظروف، يستطيع التنظيم الأكثر تماسكًا الاستفادة من الخلافات بين خصومه، حتى إذا كانت موارده أقل من مواردهم مجتمعة.
وقد ساعدت هذه الانقسامات الحوثيين على تثبيت سيطرتهم في مناطق واسعة، في وقت واجهت فيه القوى المناهضة لهم صعوبات في تنسيق تحركاتها وبناء مؤسسات مستقرة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وتكشف هذه التجربة عن قاعدة مهمة في الصراعات الداخلية: لا تتحدد النتائج بحجم السلاح وحده، بل أيضًا بمدى تماسك التنظيم، وقدرته على اتخاذ القرار، واستمرارية موارده، وطبيعة المشروع السياسي الذي يقدمه.
- ثامنًا: الصواريخ والطائرات المسيّرة.. كيف تغيّر شكل القوة الحوثية؟
شهدت القدرات العسكرية الحوثية تطورًا ملحوظًا خلال سنوات الحرب، خاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأصبحت هذه الأسلحة جزءًا أساسيًا من قدرة الجماعة على تهديد أهداف بعيدة نسبيًا عن مناطق سيطرتها، وعلى ممارسة الضغط على خصومها دون الحاجة إلى خوض مواجهة تقليدية مباشرة في كل مرة.
وتكمن أهمية الطائرات المسيّرة في أن بعض أنواعها أقل تكلفة من أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة المصممة لاعتراضها، وهو ما يخلق تحديات للدول التي تحاول حماية مساحات واسعة ومنشآت حيوية متعددة.
أما الصواريخ بعيدة المدى، فتتيح للجماعة توسيع النطاق الجغرافي للتهديد، وإن كانت فعاليتها تتأثر بقدرات الرصد والاعتراض، وبنوع السلاح المستخدم، وبالظروف العملياتية.
وقد أسهمت الخبرات الخارجية، وفق تقارير وتحليلات متعددة، في تعزيز قدرات الحوثيين التقنية، لكن تطوير هذه القدرات لا يمكن فصله عن الخبرة التي اكتسبوها خلال سنوات القتال.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في تصوير هذه الترسانة. فامتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة لا يعني امتلاك تفوق جوي شامل، ولا يمنح الجماعة قدرة مطلقة على تجاوز أنظمة الدفاع، كما لا يلغي الفوارق الكبيرة بينها وبين الجيوش النظامية في الموارد والتجهيزات.
إن ما يجعل هذه الأسلحة مؤثرة هو استخدامها ضمن استراتيجية أوسع تقوم على الضغط والاستنزاف، وليس كونها تمنح الجماعة تفوقًا عسكريًا مطلقًا.
- تاسعًا: باب المندب والبحر الأحمر.. الموقع الذي منح الحوثيين تأثيرًا دوليًا
تتمتع اليمن بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، إذ تقع بالقرب من مضيقباب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ويشكل المضيق جزءًا مهمًا من شبكة التجارة البحرية العالمية، بسبب ارتباطه بحركة السفن بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط القوة الجغرافية التي يمتلكها الحوثيون: فهم ينشطون في منطقة قريبة من ممر بحري حيوي، يمكن للتهديدات الأمنية فيها أن تؤثر في التجارة الدولية.
ومنذ أواخر عام 2023، نفذت الجماعة هجمات على سفن في البحر الأحمر، وقالت إنها تأتي في سياق دعم الفلسطينيين خلال الحرب في غزة. وقد أثارت هذه الهجمات مخاوف واسعة بشأن سلامة الملاحة، ودفعت شركات شحن إلى تغيير مسارات بعض سفنها.
وتجاوز تأثير الأزمة حدود اليمن، إذ أدت اضطرابات الملاحة إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين وإطالة بعض الرحلات البحرية.
كما دفعت الهجمات الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف حوثية، فيما نفذت إسرائيل ضربات على أهداف داخل اليمن في مراحل مختلفة من التصعيد.
وتوضح هذه التطورات أن أهمية الجماعة لا تنبع من حجم الأراضي التي تسيطر عليها فقط، بل من قدرتها على التأثير في ممر استراتيجي تتقاطع عنده مصالح اقتصادية وأمنية دولية.
لكن استخدام الموقع الجغرافي كورقة ضغط يحمل مخاطر كبيرة أيضًا؛ إذ قد يؤدي إلى ردود عسكرية، ويزيد من عزلة اليمن الاقتصادية، ويضاعف الأعباء على السكان.
- عاشرًا: هل الحوثيون مجرد أداة إيرانية؟
يُعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في تحليل الصراع اليمني.
فالعلاقة بين الحوثيين وإيران وثيقة، وهناك مصالح مشتركة تتعلق بمواجهة الخصوم الإقليميين، وتعزيز النفوذ، واستخدام وسائل الضغط العسكري غير التقليدية.
لكن وصف الحوثيين بأنهم مجرد أداة تتحرك بالكامل وفق أوامر خارجية قد يتجاهل جذور الحركة المحلية وطبيعة الصراع اليمني.
فالجماعة تمتلك قيادة خاصة، وأهدافًا تتعلق بالسلطة داخل اليمن، وشبكات نفوذ محلية، وحسابات مرتبطة بمستقبل المناطق التي تسيطر عليها.
وفي الوقت نفسه، فإن اعتبارها قوة مستقلة تمامًا عن التأثير الإيراني لا يعكس أهمية الدعم العسكري والتقني الذي تتلقاه، ولا طبيعة المصالح المشتركة بين الطرفين.
والتحليل الأكثر دقة يقتضي النظر إلى الحوثيين بوصفهم حركة يمنية مسلحة أصبحت جزءًا من شبكة تحالفات إقليمية، مع احتفاظها بمصالحها المحلية وقدرتها على اتخاذ قرارات قد تتوافق أو تختلف مع حسابات داعميها.
- الحادي عشر: غزة وإسرائيل والبحر الأحمر.. كيف اتسع نطاق الصراع؟
أعادت الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023 تشكيل موقع الحوثيين في المشهد الإقليمي.
فقد أعلنت الجماعة أن هجماتها تأتي دعمًا للفلسطينيين، ووسعت عملياتها لتشمل أهدافًا مرتبطة بإسرائيل وسفنًا في البحر الأحمر وخليج عدن.
وأدى ذلك إلى إدخال اليمن في معادلة أمنية أوسع، تتداخل فيها الحرب في غزة مع التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وأصبحت الهجمات البحرية قضية تتجاوز أطراف النزاع اليمني، لأنها تمس حرية الملاحة وسلامة التجارة الدولية.
وفي المقابل، أدت العمليات العسكرية التي استهدفت الحوثيين إلى زيادة المخاطر على البنية التحتية اليمنية، ورفعت احتمال اتساع المواجهة إلى نطاق إقليمي أكبر.
كما أثارت الهجمات والردود العسكرية نقاشًا حول مدى قدرة الجماعات المسلحة على استخدام المواقع الاستراتيجية والأدوات العسكرية غير التقليدية لفرض حضورها على أجندة القوى الكبرى.
لكن من الضروري التمييز بين الأهداف التي تعلنها الجماعة وبين النتائج الفعلية لعملياتها؛ فالمواقف السياسية المعلنة لا تلغي الآثار الاقتصادية والإنسانية والأمنية للهجمات، ولا تعني أن جميع اليمنيين يتفقون مع هذه السياسات.
الثاني عشر: ماذا يريد الحوثيون من توسيع نفوذهم؟
يمكن فهم أهداف الحوثيين من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الداخلي: تثبيت السيطرة على صنعاء والمناطق الخاضعة لنفوذهم، وتعزيز المؤسسات التابعة لهم، والحفاظ على موقعهم في أي تسوية سياسية مستقبلية.
المستوى الإقليمي: تعزيز مكانتهم ضمن شبكة التحالفات التي تقودها إيران، واستخدام قدراتهم العسكرية والجغرافية للتأثير في حسابات الخصوم.
المستوى السياسي والإعلامي: تقديم الجماعة نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على التأثير في ملفات تتجاوز حدود اليمن، بما يمنحها حضورًا إقليميًا أكبر.
غير أن هذه الأهداف تواجه تحديات داخلية مهمة. فالسيطرة على الأراضي لا تعني بالضرورة الحصول على قبول سياسي شامل، كما أن استمرار الحرب يفرض أعباءً اقتصادية وإنسانية على السكان.
وتظل قدرة الجماعة على إدارة المناطق التي تسيطر عليها، وتوفير الخدمات، والتعامل مع الأزمات الاقتصادية، عوامل أساسية في تحديد مستقبل نفوذها.
الثالث عشر: الثمن الإنساني.. من يدفع كلفة صراع النفوذ؟
خلف الحسابات العسكرية والاستراتيجية، تبقى الأزمة اليمنية واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في المنطقة.
فقد أدت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية إلى تفاقم الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، كما أضعفت قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم ومياه الشرب.
وأدى انقسام المؤسسات المالية والإدارية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطل بعض الخدمات العامة، إلى زيادة صعوبة الحياة اليومية لملايين اليمنيين.
ولا يمكن اختزال المسؤولية عن هذه الأزمة في طرف واحد بمعزل عن بقية الأطراف؛ فقد أسهمت العمليات العسكرية والانتهاكات والقيود الاقتصادية والانقسامات السياسية في تعميق المعاناة الإنسانية.
ومن هنا، فإن تقييم قوة الحوثيين أو خصومهم ينبغي ألا يقتصر على عدد الصواريخ أو الأراضي التي يسيطر عليها كل طرف، بل يجب أن يشمل النتائج التي خلفتها الحرب على المجتمع اليمني.
فالقوة العسكرية لا تساوي بالضرورة الاستقرار، والسيطرة على العاصمة لا تعني إعادة بناء الدولة، كما أن إضعاف الخصم لا يضمن تحقيق السلام.
الرابع عشر: ما مستقبل الحوثيين واليمن؟
يرتبط مستقبل اليمن بمجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية، من بينها قدرة الأطراف اليمنية على تجاوز خلافاتها، وطبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، ومواقف السعودية والقوى الدولية، ومستقبل التوترات في البحر الأحمر.
وقد أظهرت السنوات الماضية أن الحل العسكري وحده لم ينجح في إنهاء الصراع بصورة مستدامة، بينما ظلت الجهود السياسية تواجه عقبات تتعلق بتقاسم السلطة والضمانات الأمنية وشكل الدولة ومستقبل المؤسسات الوطنية.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، يبقى احتمال التصعيد قائمًا، لكنه ليس نتيجة حتمية. فالضغوط الاقتصادية والإنسانية، وتكاليف الحرب، والمصالح التجارية الدولية، يمكن أن تشكل دوافع للبحث عن تسوية.
غير أن أي اتفاق لن يكون مستدامًا إذا اقتصر على وقف إطلاق النار دون معالجة القضايا السياسية والاقتصادية الأساسية، أو إذا استبعد قوى محلية مؤثرة من العملية السياسية.
ويحتاج اليمن إلى ترتيبات تضمن وقف القتال، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومعالجة الانقسامات الداخلية، وتحسين الأوضاع المعيشية، إلى جانب تفاهمات إقليمية تقلل من فرص عودة المواجهة.
الخلاصة: قوة الحوثيين ليست سرًا واحدًا
إن الإجابة عن سؤال «من أين جاءت كل هذه القوة؟» تكمن في اجتماع مجموعة من العوامل، لا في سبب واحد.
فالجذور المحلية للحركة، والخبرة العسكرية التي اكتسبتها خلال سنوات المواجهات، وضعف مؤسسات الدولة، والتحالف المؤقت مع شبكات مرتبطة بالنظام السابق، والانقسامات داخل المعسكر المناهض لها، والدعم الإيراني، وتطور استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، كلها عناصر ساهمت في صعودها.
كما منح الموقع الجغرافي لليمن قرب باب المندب والبحر الأحمر الجماعة قدرة على التأثير في مصالح دولية تتجاوز حدود البلاد.
لكن هذه القوة لا تعني أن الحوثيين يمتلكون تفوقًا مطلقًا، أو أن نفوذهم لا يواجه تحديات، أو أن السيطرة العسكرية وحدها كافية لضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي.
فمستقبل الجماعة سيعتمد على قدرتها على إدارة مناطق نفوذها، وعلى مواقف خصومها، وعلى تطورات العلاقة مع إيران، وعلى حسابات السعودية والقوى الدولية، فضلًا عن قدرة اليمنيين على التوصل إلى تسوية تعيد بناء الدولة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول القوة التي اكتسبها الحوثيون إلى جزء من تسوية تنهي الحرب، أم تستمر في تغذية صراع طويل يدفع اليمنيون ثمنه الأكبر؟
إن مستقبل اليمن لن يتحدد بالسلاح وحده، بل بقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من صراع النفوذ إلى بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الأمن والاستقرار.
المصادر والمراجع
أُعدّ هذا المقال بالاستناد إلى معلومات وتحليلات منشورة حول تاريخ الحركة الحوثية، والحرب اليمنية، والعلاقات الإيرانية الحوثية، وأمن الملاحة في البحر الأحمر. ويمكن الرجوع إلى المصادر التالية للتحقق والتوسع:
1. مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) — الدعم الإيراني للحوثيين: ما الذي نعرفه؟
2. مجلس العلاقات الخارجية — أزمة اليمن: خلفية الحرب وأسبابها وتطوراتها.
3. مجلس العلاقات الخارجية — من هم الحوثيون في اليمن؟
5. مجلس العلاقات الخارجية — متابعة الصراع في اليمن والبحر الأحمر.
